الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
163
انوار الأصول
ومن هنا يظهر الإشكال في كلمات الأعلام الثلاثة : أمّا المحقّق الخراساني رحمه الله فيرد عليه أنّ المقيّد والفاقد للقيد إنّما يكونان من المتباينين فيما إذا كانا من قبيل الماهيّة بشرط شيء والماهيّة بشرط لا ، مع أنّ مطلق الرقبة والرقبة المؤمنة مثلًا يكونان من قبيل الماهيّة بشرط شيء والماهيّة لا بشرط ، وإلّا يلزم أن يكون الفاقد للجزء والواجد له أيضاً من المتباينين وأن تكون الصّلاة بشرط الجزء العاشر مباينة للصّلاة بشرط تسعة الاجزاء ، وهذا مخالف لما ذهب إليه نفسه من كونهما من قبيل الأقل والأكثر . هذا مضافاً إلى أنّ الميزان كما قلنا صدق التباين وعدمه عند العرف ، وكون القيد من القيود المقوّمة وعدم كونه منها في نظر العرف ، فربّ وصف لا يعدّ مقوّماً لموصوفه عرفاً كالقراءة والكتابة في العبد القاري والكاتب فيكون التخلّف فيه من قبيل التخلّف في الوصف موجباً للخيار فقط ، وربّ وصف يعدّ من مقوّمات موصوفه عند العرف كوصف السريريّة والنافذية فيما إذا اشترى شيئاً بعنوان إنّه سرير فتبيّن كونه نافذة . فيكون التخلّف فيه من قبيل التخلّف في العنوان ، الموجب لبطلان المعاملة . إن قلت : ما هو الضابط في التباين وعدمه وفي المقوّميّة وعدمها عند العرف ؟ قلنا : إنّما يرى العرف التباين فيما إذا كانت الآثار المترتّبة متفاوتة مختلفة كالآثار المترتّبة على السرير والنافذة ، وإذا كانت الآثار قريبة كالآثار المترتّبة على العبد الكاتب وغير الكاتب ( حيث إنّهما مشتركان في خدمات كثيرة ) فلا يحكم العرف بالتباين بل يرى التخلّف فيه مجرّد التخلّف في وصف من الأوصاف . وأمّا ما ذهب إليه في تهذيب الأصول من أنّ متعلّق البعث والزجر إنّما هو الماهيّات والعناوين . فيرد عليه : إنّه إمّا أن يكون المراد منه ألفاظ الماهيّات كلفظ الغنم والشاة ، أو يكون المراد الصور المتصوّرة في الذهن ، والأوّل لا معنى له كما لا يخفى ، والثاني يحتمل فيه وجهان : أحدهما : أن يكون المقصود الصور الذهنيّة بما هي صور ذهنيّة ، والثانية : الصور الذهنيّة بما هي مشيرة إلى الخارج ، والأوّل أيضاً لا يمكن أن يكون متعلّقاً للأمر والنهي قطعاً ، فيتعيّن أن يكون المتعلّق العناوين بما هي مشيرة إلى الخارج ، وهذا يرجع في الحقيقة إلى كون المتعلّق هو الخارج لا الماهية والعنوان ، وأمّا تعلّقهما ابتداءً بالعنوان فلأجل العبور إلى الخارج .